٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


بيان معنى النظر

إن مما هو معلوم بالضرورة أن الإنسان عندما يولد يواجه الكون للوهلة الأولى بذهن خالٍ كل الخلو من معرفة أي شيء في الوجود، وأجهزة الاستقبال التي أعدها الخالق -سبحانه وتعالى- من الحواس والعقل أجهزة محكمة ودقيقة ومعدة كذلك لتلقي المعرفة بالتدرج حسب الطاقة والحاجة، وهذه حقيقة مشاهدة في واقع الحياة، ومقررة في كتاب -الله عز وجل- قال تعالى: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [النحل: من الآية: ٧٨].
وليس العلم عُصَارةً تفرزها الحواس والعقل، وإنما هما وسائل لاكتساب المعرفة من مادتها المقررة ومصدرها المرسوم، فالأذن تسمع، والعقل يميز بين الأصوات، والعين ترى، والعقل يتدبر، ويستنتج، وقد جاء ذكر السمع والبصر في الآية الكريمة؛ تعبيرًا عن الحواس الظاهر اكتفاء بذكر الأهم، وقال تعالى: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)) [الحج: ٤٦] ومادة الدراسة التي أخرج الله -عز وجل- الإنسان من بطن أمه وهو لا يعلم شيئًا مزودًا بمؤهلات المعرفة؛ ليعلمها، ويعلم من وراءها هي هذا الكون وما حوى، ولذا جاء الأمر إليه صريحًا في محكم التنزيل بالنظر العاقل؛ قال تعالى: ((قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)) [يونس: ١٠١] وقال سبحانه: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [العنكبوت: ٢٠] وعليه فالنظر له معنيان؛ معنى حسي بواسطة العين الباصرة المحسة بالتعاون مع العقل؛ إذ العين هي التي ترى شخوص الأشياء، والعقل هو الذي يميزها؛ هذا إنسان وهذا حيوان وهذا نبات وذاك جماد... إلى آخره.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


وأما المعنى الآخر: فهو معنوي يختص به العقل وحده، ولا دخل للحواس فيه ألبتة، وهو مجال النظر في الحقائق المعنوية، والتي هي من وراء الحس، وذلك أن الحواس لا تشهد شيئًا إلا شهد العقل فورًا أنه فعل، وأنه يفقد القدرة على الإيجاد، فليس له أدنى أثر في إيجاد نفسه فضلًا عن إيجاد غيره، وأنه كذلك فعل لفاعل، ولا بد؛ لأنه أثر، وكل أثر لا بد له من مؤثر، والمؤثر في كل موجود هو الخالق -سبحانه وتعالى- وقد جاء الأمر في القرآن الكريم بالمعنيين جميعًا؛ مرة بمعنى النظر الحسي كمقدمة، ومرة بمعنى النظر العقلي، وتارة أخرى يجيء مشتركًا بينهما.
ففي مجال النظر الحسي على سبيل المثال جاء قوله تعالى: ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)) [الملك: ٣، ٤] وواضح من معاني النص القرآني الكريم -في الآيتين المذكورتين- أن النظر المأمور به نظر حسي بالعين الباصرة؛ لأن التفاوت مراد به الاختلاف، والنقص والاختلال والاضطراب وعدم التناسق، والفطور: معناها الشقوق والصدوع، وهي كلها أمور محسوسة يتناولها الحس في الإنسان، وتشهدها العين خاصة؛ لأن المعرض بعيد هنالك في جو السماء، وعلى المخاطب أن يرسل البصر متتبعًا ومكررًا؛ ليعطي النتيجة.
وقد جاء في إيضاح المفسرين للموقف ما يلي: يقول العلامة الزمخشري -رحمه الله تعالى-: ((فَارْجِعْ الْبَصَرَ))؛ حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ثم يقول: وأمره بتكرير البصر فيهن متتبعًا يلتمس عيبًا وخللًا ينقلب إليك -أي: إن رجعت البصر، وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب.

٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


وفي هذا المعنى يقول القرطبي: ((مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)) والمعنى: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج ولا تناقض ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية: ((فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)) أي: اردد طرفك إلى السماء، ويقال: قَلِّبِ البصر في السماء، ويقال: أجهد بالنظر إلى السماء، والمعنى متقارب، والمعنى: انظر ثم ارجع البصر، ((هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)) الشقوق -كما جاء في إيضاح العلامة أبي السعود قوله: ((مَا تَرَى)): الخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، و"من" لتأكيد النفي أي: ما ترى فيه شيئًا من تفاوت -أي: اختلاف وعدم تناسق- فارجع البصر؛ حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة، ولا يبقى عندك شبهة ما، والفطور، والشقوق، والصدوع: جمع "فطر" وهو الشق، ثم ارجع البصر كرتين -أي: رجعتين أخريين في ارتياد الخلل- ينقلب إليك البصر خاسئًا -أي: بعيدًا محرومًا من إصابة ما التمسه من العيب والخلل.
كل ذلك جئنا به تأييدًا لمعنى النظر الحسي، ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الأمر بالنظر الحسي صراحة يتضمن في واقع الأمر النظر العقلي، وإن لم يصرح به؛ لأن الأمر لم يصدر إلى الإنسان لينظر بالعين الباصرة وليقف متفرجًا، كلا، ولكن لينظر من وراء ذلك بالعين العاقلة، وهذه هي الحكمة.
أما النظر العقلي ففي أفقه جاء قوله -سبحانه وتعالى- على سبيل المثال -لا الحصر-: ((أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)) [الأنبياء: من الآية ٣٠] وقوله تعالى: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [العنكبوت: ٢٠] فسواء أكان الرتق المشار إليه في الآية الكريمة هو الالتصاق بين السموات والأرض -كما يرى فريق من المفسرين- أو هو خاص بالسماء، بمعنى: أنها لا تمطر، ففتقها الله بالمطر، ...

٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


... ،وأن الأرض كذلك كانت رتقًا بمعنى أنها لا تُنْبِتُ ففتقها الله بالنبات -كما يرى فريق آخر- سواء أكان هذا أو ذاك فإن أحدًا لم يره بعينه الباصرة وإنما هو أفق مجاله العقل وحده في الماضي والحاضر والمستقبل؛ لتتجلى عظمة الخالق -سبحانه وتعالى- وصل العقل في بحثه إلى نتيجة أو لم يصل.
وقد قدح الباحثون المحدثون زِناد الفكر، وأوغلوا في دراسة نظرية مؤداها أن الكون بحالته الراهنة قد بدأ في شكل سحابة هائلة من الدخان، وقد لعب غاز الأيدروجين دورًا هامًّا في تكوينها، ثم انقشع الغاز عن بعض الأماكن وتراكم في أخرى، فتكونت النجوم والشموس؛ يقول الفخر الرازي عند قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)) قال: المراد من الرؤية: العلم، هذا ما يراه الإمام الرازي، ويقول القرطبي: الرؤية علمية -بمعنى: يعلم.
ويقول أبو السعود: وقد أراد الباري -سبحانه- تجهيله بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية، وكون جميع ما سواه مقهورًا تحت ملكوته، والرؤية: قلبية، أي: لم يتفكروا، ولم يعلموا. وقد تساءل الزمخشري قائلًا: فإن قلت: متى رأوهما رتقًا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أنه وارد في القرآن الكريم الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئي المشاهد. والثاني: أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص، وهو الله -سبحانه وتعالى- وفي قوله تعالى: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)) فإن النظر المأمور به هو نظر الفكر الدقيق -كما يقول البهي الخولي- فإن النظر هنا يقتضينا استجاشة طاقة عقلية أقوى وأعمق وأوسع؛ لأنه يتعلق بكيفية بَدْءِ الخلق.

٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


والخلق هنا بمعنى الخليقة، وهو لا يريد إنشاءها من مادة معينة قائمة في الكون بل يريد الخلق الأول -خلق المادة نفسها- ومرة ثالثة يأتي الأمر بالنظر بالمعنيين -الحسي والعقلي- مشتركًا في الآية الواحدة؛ إذ لا بد من نظر يبصر ولا بد من بصيرة تتدبر؛ قال الله تعالى: ((قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)) وقال تعالى: ((أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ))[الأعراف: ١٨٥].
النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء -أي: شيء يرى بالعين الباصرة والبصيرة المفتوحة- فلينظروا في القبة الزرقاء، والمقلة الغبراء في السراج الوهاج، في القمر المنير، في زينة الكواكب، وفي السحاب الركامي في بهجة الشروق، في روعة الأصيل، في الماء الرقراق، في خضرة الزرع، في علو الجبال، في سعة البحار، في عذوبة الأنهار، في الصخور الصلدة، في ذرات الرمال، في أمم الدواب والطير، في مملكة النحل، في تعاون النمل، بل في العجيبة الكبرى، في آية الإنسان، في عقله في لونه في لسانه في طبعه، في النفس اللوامة، في النفس الأمارة، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


يقول الأستاذ سيد قطب: ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السموات والأرض وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء قلب الإنسان؛ لعله ينبض، ولعله يتحرك، ولعله يتلقى ويستجيب، وقال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام: ٩٩].
ومما هو جلي أن النبات عندما تنشق عنه الأرض، وحتى يهيج فتراه العين مصفرًّا، ثم يكون حطامًا يمر بمراحل شتى متعددة الأطوار تقع كلها تحت الحس والملاحظة، يتمتع الإنسان بجماله الذي يسر الناظر، ويبعث في نفسه البهجة في حال ازدهائه وازدهاره، كما يتمتع بطعمه وغذائه في حال ينعه ونضجه، وهو في أطواره تلك يسير بقانون محكم مرسوم، ليس من وضع الإنسان، فكان لا بد للعقل أن يتولى دوره مع الحس، ويقوم بمهام وظيفته، ويرتب المقدمات ليصل إلى النتائج. من المقنن؟ ومن الذي هيأ الأسباب حتى أينعت الثمار؟ وما هي الغاية؟ وما الذي يمكن أن يرى بعد ذلك؟ هذا بالنسبة لمعنى النظر.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


أهمية النظر في الكون كمنهج من مناهج الدعوة

يبدو أن للدعوة إلى الله -عز وجل- من خلال النظر في الكون والسير في الأرض أهمية كبرى ذلك أن النظر في الكون ليقع في المرتبة الأولى بين مناهج الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لشموله وأثره واستمراره؛ ولأن العبادة أساس لا تصح من العابد إلا إذا كان عالمًا بالله تعالى، كما أمر سبحانه بقوله -عز وجل-: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)) [محمد: ١٩] وكثير من العلماء عندما وقفوا على سر الله المبثوث في ملكوته قادهم علمهم إلى الاعتراف بصدق الرسالة المحمدية، وأن هذه الحقائق العلمية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم لا يمكن أن تأتي عن طريق بشر عادي، وإنما هو الوحي الإلهي ولا شيء سواه.
كما أنه قد قاد الكثير من هؤلاء العلماء إلى رحاب الإيمان بالله تعالى والخضوع لجلاله والدفاع عن العقيدة التي حَضَّتْ على البحث العلمي وعلى التأمل، وَأَيْقَظَتِ الْفِكْرَ مِنْ سُبَاتِهِ الْعَمِيقِ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ تَمَرُّدٍ وصُحْبَةٍ للشيطان في طريق الهوى وَالضَّلَالِ.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


ثمرة البحث والنظر في الكون

أَمَّا بِالنِّسبة لثمرة النظر والسير في الأرض فإن هناك ثمارًا عديدة، نجد منها: أولًا الْإِيمَان بوجود الخالق -سبحانه وتعالى- وهذه قضية لا ينكرها إلا مكابر ينكر وجود نفسه وعقله بمنطقه الخاطئ؛ ففما هو ثابت في حكم العقل: أن لكل موجود موجدًا، ولكل خلق خالقًا، ولكل صنعة صانعًا، والأثر -بداهة- يدل على المؤثر، والسير على المسير، والرسم يدل على الراسم، فخلق الله وتقديره يعجز الإنسان عن وصفه مجرد وصف في الكائنات؛ فكيف يستقيم في حكم العقل أنها وجدت من غير موجد ومقدر متصف بالحكمة والعلم والقدرة والأدلة؟
والبراهين العقلية على وجود الخالق -سبحانه وتعالى- وفي القرآن الكريم أكثر من أوراق الأشجار قال تعالى: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [فصلت: ٥٣] وقال تعالى: ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)) [ق: ٦: ٨].
النظر يكون بالعين الباصرة، ويكون بالقلب الواعي في كتاب الله المفتوح -هذا الكون- ماذا في السموات والأرض؟ استنفار واستنهاض لهمة العقل الإنساني؛ لكي ينظر في هذه الآيات المعروضة عليه في كل لحظة وفي كل اتجاه، في هذه الآيات نظام وتنسيق، في هذه الآيات حكمة وتقدير، في هذه الآيات أهداف وغايات، هناك الشمس بجرمها العظيم الذي يفوق حد التصور، تجري مسرعة -كما أنبأنا الخالق سبحانه- لمستقر لها، وبسرعة هائلة، ولها حرارة مذهلة، تلك الحرارة التي يصل إلينا منها القدر الذي يصلح لحياتنا وحياة حيواننا ونباتنا.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


وهناك القمر، وهو يتحرك ويدور في منازل معينة ثابتة، يطل علينا بوجهه المضيء؛ لنعلم منه عدد السنين والحساب، وفي السماء البلايين من النجوم التي لا يُحْصَى عددها، والتي لا تعرف أبعادها، والتي عرف عن بعضها أنها تبعد عنا بآلاف بل بملايين السنين الضوئية، وما خفي أعظم.
إن هذه البلايين من النجوم موزعةٌ توزيعًا دقيقًا في هذا الكون، وهي تسير وتجري وفق قانون إلهي مرسوم مُحْكَم، لا يصطدم بعضها ببعض، ولو انحرف نجم واحد عن مداره قيد أنملة واحدة لانهار نظام الكون وتحطم، قال تعالى: ((فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)) [الواقعة: ٧٥، ٧٦] وقال سبحانه: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس: ٤٠] وهذه الأرض بجبالها الرواسي التي تَحْفَظُ توازنها من أن تميد بنا، وبحارها مصدر المياه العذبة التي نشربها بواسطة التبخر، وهي مصدر أرزاقنا بما تمدنا به من لحم طري، وما تحمله الفلك المشحون، وهي تجري عليها بكل ما ينفع.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


كل هذه آيات معجزة للخالق -سبحانه وتعالى- تشهد بوجوده، فلا يجد العقل الإنساني حين يطلع على هذه الآيات إلا أن يؤمن بموجدها وخالقها -سبحانه وتعالى- وفي ذلك يقول الشاعر المتأمل:
          رَأَيْتُكَ رَبِّي خِلَالَ النُّجُومْ          خِلَالَ الضِّيَاءِ خِلَالَ الْقَمَرْ
          رَأَيْتُكَ رَبِّي خِلَالَ الظَّلَامْ          خَلَال السحاب خلال المطرْ
        رأيتك ربي خلال الدخانْ           خلال اللهيب خلال الشررْ
         خلال السكون خلال الشجونْ    خلال الغصون خلال الثمرْ
          إلهي رأيتك في الشامخاتِ          وفي الغاب والتل والجدولِ
         وَفِي النَّهْرِ يَجْرِي بِغَيْرِ انْتِهَاء        وفِي الطِّفْلِ مُذْ عَامِهِ الْأَوَّلِ
         وَفِي الْلَيْلِ يَجْرِي وَرَاءَ النهار        وفي العشب والريح والشمألِ
         وكل الخلايا خلايا الحياة           وفي الصمت والكوكب الآثِلِ

٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


وللإمام الرازي -رحمه الله- رأي وجيه فيما يتعلق بالأمر في التدبر في الكائنات من جانب الله -سبحانه وتعالى- حيث يقول: واعلم أن هذا يدل على مطلوبين؛ الأول: أنه لا سبيل إلى معرفة الله -سبحانه وتعالى- إلا بالتدبر بالدلائل كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَتَفَكًّرُوا فِي الْخَالِقِ)).
والثاني: وهو أن الدلائل؛ إما أن تكون من عالم السموات، أو من عالم الأرض، أما الدلائل السماوية فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد.
وأما الدلائل الأرضية: فهي النظر في أحوال العناصر العلوية وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان عامة، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواعٍ لَا نِهَايَةَ لَها وَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله -سبحانه وتعالى- في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد.
وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، فلهذا السبب ذكر قوله سبحانه: ((قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) ولم يذكر التفصيل، فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكلية، حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها، وحينئذ يشرح في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية البشرية، ولقد أصاب الإمام الرازي كَبِدَ الْحَقِيقَةِ في قوله هذا.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


إن الله تعالى نبه على القاعدة الكلية وترك للعاقل أن يتنبه لأقسامها مُفَصّلًا بقدر قوته العقلية، ذلك لأن القرآن الكريم كتاب هداية، وكتاب صلة بالله في مقامه الأول، وهو لكل الناس -من يوم نزول أول آية فيه وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- والناس متفاوتون في مداركهم العقلية من إنسان لآخر ومن وقت لآخر -حسب التجارب العملية التي يمر بها في حياته- ولكن القرآن الكريم في إشاراته وتوجيهاته لَمْ يَتْرُكِ الْعَقْلَ فِي عماية من الأمر، بل أراه مادة الدراسة، وأثار حوافزه ليعمل ولينطلق.
فقال له: انظر وابحث؛ ماذا في السموات والأرض؟ فكأن هناك شيئًا مختبئًا يجب على العقل الإنساني أن يبحث عنه، وأن يستكشف مجاهيل الكون؛ ليعرف دلائل القدرة، وليدرك معالم الحكمة؛ ليهتدي إلى الصانع البصير وعلمه الشامل وإرادته المدبرة الناطقة بوجوده.
وأما الثمرة الثانية من ثمرات النظر في الكون والسير في الأرض والبحث في آيات الله -عز وجل- المبثوثة في هذا الوجود فهي وحدانية الخالق -سبحانه وتعالى- فالآيات التكوينية السابقة، والتي أمر الحق -سبحانه وتعالى- فيها بالنظر تدل على وجود الله تعالى، كما تنهض في ذات الوقت دليلًا على الوحدانية؛ لأن نظامها ينطق بعدم التنازع، ومع ذلك فقد لَفَتَ الْقُرْآن المجيد نَظَرَنَا إِلَى ظَوَاهِرَ أُخَر، قال سبحانه: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [القصص: ٧١ : ٧٣].


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


فأراد الله -سبحانه- بهذا أن يوقظ المشاعر، وأن يشد الانتباه عن طريق النظر إلى ظاهرتين كونيتين عظيمتين، هما اختلاف الليل والنهار وما فيهما من حكم وأسرار ومن قصد وتقدير، فالنهار مهم في حياة الإنسان والحيوان وفي حياة النبات، ولا يَقِلُّ الليل عنه أهمية في هذا المضمار، وللإنسان خاصة، النهار: عمل وحركة، والليل: سكن وراحة، وفوق هذا وذاك فهما ناتجان عن دوران الأرض حول نفسها، وهذا الدوران من أعظم الدلائل وأقوى البراهين على وجود الخالق -سبحانه- وعلى وحدانيته، فالأرض في دورانها -وهي بهذا الحجم العظيم الهائل- لا تخطئ أبدا، ولولا هذا الدوران لفرغت البحار والمحيطات من مائها، ولما كان هواء، ولو كان الدوران أقل أو أسرع مما هو عليه لتجمد ما عليها، أو احترق من حر وبرد، ولتناثر وتفكك كل عمران في حالة السرعة.
قال تعالى: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] فلو كان الليل سرمدًا، أو النهار سرمدًا لما كان هناك أي تصرف من جهة الماء؛ لأن الأمر لله وحده، فالكل عاجز حيال ما يقع في الكون من أحوال طبيعية مثل الزلال والبراكين والفيضان والأعاصير وموجات الحر والبرد.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


فإن كل ذلك يقف الإنسان -وهو أرقى موجود على الأرض- حياله حائرًا مبهورًا، فضلًا عن التصرف في ليل أو نهار، ومن وحدة النظام والخلق يهتدي العقل الإنساني إلى وحدانية الخالق -سبحانه- إذ لو كان مع الله شريك أو شركاء لوقع بينهما ما يقع بين الشركاء عادة من خلاف في الرأي وبعد أو قصر في النظر، مما يؤدي إلى فساد الكون وتحطمه، بل وعدم خلقه أو إيجاده أصلًا قال الشاعر:
         تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ          إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ
         عُيونٌ من لجين شاخصات          وأزهار هي الذهب السبيكُ
         على قُضُبِ الزبرجد شاهدات          بأن الله ليس له شريك

ومن ثمرات النظر في الكون كذلك: الإيمان بقدرة الله الخالق -سبحانه وتعالى- إذْ إن كل شيء في هذا الوجود هو أثر لقدرة الله -سبحانه وتعالى- فما يدل على الوجود والوحدانية هو في ذات الوقت دليل على القدرة ودليل على سائر الصفات؛ قال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)) [إبراهيم: ١٩، ٢٠] فإذا نظرنا إلى السماء فإن أول حقيقة يصطدم بها النظر هي أنها موجودة، ووجودها يدل على قدرة نعجز على وصفها؛ فمن أوجدها؟ إن أحدًا من الخلق لا يدعي أنه خلقها، وحقيقة ثانية: أنها مرفوعة بغير عُمُدٍ مرئية، ونحن لا نقدر على رفع الشيء إلا بعمد محسوسة أو في ما في معناها؛ فمن رفعها؟ وكيف رفعها؟

٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


قد تكون هناك عمد غير مرئية لنا، وقد لا تكون أصلًا، والإعجاز في كلتا الحالتين قائم، وحقيقة ثالثة: أنها مزدانة بزينة في الليل بالكواكب عن قصد ولغاية، هي الزينة والاهتداء، والقانون الذي يحكمها لا يتصدع ولا يختل مع ثقل هذه الأجرام وسرعتها في الحركة، والأرض مُمَدَّدَةٌ بالقدر الذي يصلح للحياة -حياة الإنسان وحياة الحيوان وحياة النبات- بقدرة الله وحده.
وإذا ما نظر الإنسان إلى نفسه وقدرته علم أن لقدرته حدودًا تنتهي عندها، وعلم من وراء ذلك أن قدرة الله ليست لها حدود وأنها الملاذ الذي يفزع إليه عند عجزه؛ حتى عن دفع الأذى عن نفسه قال تعالى: ((وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام: ١٧، ١٨] كما أن من ثمرات النظر في الكون كذلك إرادة الخالق -سبحانه وتعالى- قال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ)) [النور: ٤٣] وقال سبحانه: ((أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)) [الفرقان: ٤٥].


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


فالنظر في هذه الآيات، من ورائه الإعلام بأنها خاضعة لمشيئة الله -عز وجل- ولإرادته -سبحانه وتعالى- إذ إنه المتصرف كيف يشاء، ومن هذه الآيات ما هو متعلق بالإنسان نفسه؛ فالنظر إذن مزدوج يُنَبِّئُ عن اختيار الله في الحكم والتصرف المطلق، وأن يأخذ الإنسان منه العظة والعبرة؛ فإن هذه الآيات مسخرة بأمر الله تعالى، يصيب بها من يشاء، ويصرفها عن من يشاء، ففي مجال إخبار الأمم السابقة عبر التاريخ من الذين كذبوا المرسلين، وآذوهم، وآذوا الذين آمنوا معهم، وعاثوا في الأرض الفساد بطغيانهم وغرورهم، فأخذهم الله بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر بجنده المعلومة من تلك الآيات، وبالتي لا يعملها إلا هو، وما كان لهم من الله من واقٍ. وبقيت آثارهم تحكي أحوالهم؛ عبرة للناظرين على كر العصور والأجيال؛ لأن أبشع جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق غيره هي تكذيب الحق؛ لأن الله هو الحق، والحق قوام كل شيء في الوجود؛ خلق الله الكون بالحق وأرسل المرسلين بالحق ليقوم بين الناس الحق قال تعالى: ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)) [الزمر: ٣٢] من أجل هذا كله فقد وجه الله -عز وجل- النظر لأخذ العبرة؛ حتى نتجنب ما فعلوا، وحتى لا نلقى الجزاء الذي حل بهم وفاقًا لجرمهم.


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


فالله تعالى بالمرصاد يمهل ولا يهمل، قال تعالى: ((قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) [آل عمران: ١٣٧] كانت العاقبة نكالًا ووبالًا، ذلك إذا ما تتبعنا النظر في هاتيك الأمم وما حاق بها، قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ)) [الحجر: ٨٠] وقال سبحانه: ((كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)) [الشعراء: ١٠٥] وقال سبحانه: ((كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ)) [الشعراء: ١٢٣] وقال عز وجل: ((كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ))[الشعراء: ١٤١] وقال سبحانه: ((كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ)) [الشعراء: ١٦٠] وقال تعالى: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى)) [النازعات: ١٧- ٢٦].
وأخيرًا فإن من ثمرة البحث والنظر كذلك في ملكوت السموات والأرض الإيمان الصادق في البعث. إن الإيمان بالبعث أصل من أصول العقيدة والنظر في الآيات الكونية كما وجه الله -سبحانه وتعالى- يقود إلى هذه الحقيقة، وقد دلت عليها الاكتشافات الحديثة، قال تعالى: ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)) [ق: ٦- ١١].


٢.٣ الدَّعوة إلى النَّظر في الكون


وقال سبحانه: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [فصلت: ٣٩] فمن الثابت أن الأرض ميتة، ليست فيها حياة، هذا ما تقول به الاكتشافات الحديثة بعد التحليل، ولكن منها -وهي ميتة- خلق الله الحياة -خلق الله الحياة في الحيوان بنوعيه وفي النبات- وهذه حقيقة أخرى أثبتتها العلوم الحديثة، فالذي أخرج منها الحي قادر على أن يعيد الحياة مرة أخرى قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)) [الحج: من الآية: ٥] وقال سبحانه: ((وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)) [نوح: ١٧، ١٨].
وهكذا نجد أن النظر في الكون، وأن السير في الأرض منهج من مناهج الدعوة الإسلامية مؤثر غاية التأثير، وأن من ثمراته الإيمان بوجود الخالق -سبحانه وتعالى- إيمانًا راسخًا، وكذلك الإيمان بوحدانيته سبحانه وقدرته وإرادته، كما أن من ثمرات النظر في الكون الإيمان الراسخ بالبعث حقيقة لا مراء فيها.
من هنا كان لا بد من استعمال هذا المنهج -وهو النظر في الكون- لما له من آثار إيجابية في المدعو.